سلطت وكالة الأنباء "جيروزاليم نيوز سينديكيت" (JNS)، الضوء على قضية الأمن في البحر الأحمر، في ظل رغبة إثيوبيا في امتلاك منفذ بحري عليه، الأمر الذي ترفضه مصر وإريتريا.


والتقى مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مؤخرًا بشكل منفصل مع وزراء خارجية مصر والصومال وإريتريا. 

 

استبعاد إثيوبيا من نطاق الأمن في البحر الأحمر

 

وفقًا للتقرير، استندت مصر وإريتريا إلى الجغرافيا الساحلية لاستبعاد إثيوبيا من نطاق الأمن في البحر الأحمر، وصرحتا بأنه لا ينبغي إدراجها لعدم امتلاكها ساحلاً على البحر الأحمر.

 

وأضاف أن مصر طالبت باستبعاد إسرائيل من أي إطار أمني للبحر الأحمر، رغم أن إسرائيل تطل عليه، وبالتالي فهي دولة ساحلية بامتياز، ورأى أن واشنطن بقبولها "ازدواجية معايير" مصر تخاطر بالظهور بمظهر المتحيزة وتقويض مصالح كل من إثيوبيا وإسرائيل.

 

وفقًا له، لم يعد النقاش حول أمن البحر الأحمر - بالتزامن مع نقاش آخر حول نهر النيل - يدور حول الجغرافيا فحسب، بل حول مدى تطبيق المبادئ الدولية بشكل متسق. 

 

وتصر مصر والسعودية وإريتريا على أن الدول المطلة على البحر الأحمر وحدها هي من يجب أن تحدد مستقبل المنطقة. وتم ترسيخ هذا المبدأ مؤسسيًا من خلال مجلس الدول الساحلية العربية والأفريقية لعام 2020. 

 

مع ذلك، أوضح التقرير أنه تم استبعاد إسرائيل، وهي دولة ساحلية معترف بها. كما تم استبعاد إثيوبيا لكونها غير ساحلية، وإسرائيل لكونها ساحلية، "وبالتالي، فإن الجغرافيا ليست المعيار الحقيقي، بل السياسة هي المعيار".

 

وقال إن مصر تُصرّ أيضًا على أن الجغرافيا تمنح بعض الدول حقوقًا حصرية في البحر الأحمر، بينما ترفض في الوقت ذاته دلالات الجغرافيا فيما يتعلق بنهر النيل. 

 

ينبع معظم تدفق النيل الذي يصل إلى السودان ومصر من روافد إثيوبية، فيما يتهم التقرير مصر بأنها تصر على ضرورة تقييد التنمية في إثيوبيا، بما في ذلك سد النهضة الإثيوبي، على الرغم من أن السد يُولّد الطاقة الكهرومائية بدلاً من استهلاك المياه.

 

أمن البحر الأحمر

 

وبحسب التقرير، فإنه إذا اقتصرت المشاركة في أمن البحر الأحمر على الدول المطلة عليه، فمن المنطقي أن يكون للدول التي تساهم بمياه النيل الرئيسة في المنبع الكلمة الفصل في استخدامه. وإذا طالبت مصر بحقوق جغرافية حصرية في البحر الأحمر، فلا يمكنها رفض المبدأ نفسه عند تطبيقه على النيل.

 

ويسلط التقرير الضوء على تبني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقف مصر بشأن النيل. ففي يونيو، صرّح ترامب لـ (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي بأن مصر عوملت معاملة غير عادلة في قضية سد النهضة، وحذّر من أن السد يُسبب مشاكل جسيمة، مما منح القاهرة مزيدًا من النفوذ الدبلوماسي.

 

كما نجحت مصر في إقناع واشنطن بالتساهل مع عداء إريتريا تجاه إثيوبيا. وبحسب التقرير، فإن ما يجمع مصر وإريتريا عداءهما المشترك لإسرائيل وإثيوبيا. 

 

وتصرّ كل من مصر وإريتريا بشدة على ضرورة احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيها، ليس انطلاقًاً من مبدأ قانوني، بل لخدمة غرض جيوسياسي يتمثل في عرقلة استقلال أرض الصومال ومنع تعزيز الوجود الإسرائيلي في المنطقة. وأوضح الرئيس الإريتري أسياس أفورقي هذا الهدف صراحةً في يوليو.

 

ومن المفارقات التي يشير إليها التقرير، أن إريتريا أيدت الغزو الروسي لأوكرانيا بالتصويت ضد قرار للأمم المتحدة صدر عام 2022 يدين موسكو. كما تعارض منح إسرائيل صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي، وتحافظ على علاقات وثيقة مع إيران. 

 

وقال: "إذا ما استندت إريتريا إلى مبدأ وحدة الأراضي لعرقلة العلاقات الدبلوماسية بين أرض الصومال وإسرائيل، بينما تدعم في الوقت نفسه العدوان الروسي على وحدة أراضي أوكرانيا، فمن الصعب عليها الادعاء باحترام القانون الدولي بمصداقية".

 

ورأى أن "تدخل مصر في القرن الأفريقي يتجاوز بكثير موقفها المتشدد تجاه النيل. فإلى جانب معارضتها الشديدة، بالتعاون مع إريتريا، لمذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال، يمكن فهم ذلك على أنه محاولة لحرمان إثيوبيا بشكل دائم من الوصول المستدام إلى الخدمات البحرية والمينائية. وهذا بدوره يسعى إلى خنق التحالف الدبلوماسي والاقتصادي الناشئ بين إثيوبيا وأرض الصومال وإسرائيل، الأمر الذي له تداعيات خطيرة على السلام والأمن الإقليميين".

 

رفض مصر وإريتريا لامتلاك إثيوبيا لمنفذ بحري 

 

بدلاً من تشجيع الترتيبات العملية، يقول التقرير إن مصر وإريتريا تعملان بشكل ممنهج على عرقلة خيارات إثيوبيا للوصول السلمي إلى الملاحة البحرية. ترفض إريتريا الوصول الموثوق عبر موانئها، بينما تعارض، بالاشتراك مع مصر، أي منافذ بديلة. 

 

وأوضح أنه "لا يمكن لإثيوبيا، الدولة التي يزيد عدد سكانها عن 130 مليون نسمة، وهي أكبر دولة غير ساحلية في أفريقيا من حيث عدد السكان، أن تقبل بشكل معقول نظاماً يُقيّد فيه كل سبيل سلمي للوصول إلى الملاحة البحرية برفض خارجي. إن سعي إثيوبيا إلى الوصول الموثوق إلى الملاحة البحرية هدف اقتصادي مشروع، وليس عملاً عدوانيًا"، وفق التقرير.


وتساءل التقرير: "إذا كانت مصر تُولي أمن البحر الأحمر والتعاون الإقليمي أولوية حقيقية، فلماذا يتركز النقاش بشكل كبير على استبعاد إثيوبيا، بينما لا يحظى تهديد الحوثيين لمضيق باب المندب إلا باهتمام ضئيل نسبيًا؟"، واعتبر أنه من "المفارقة أن النيل لا يزال يتدفق إلى مصر، في حين أن انعدام الأمن حول باب المندب قد عطّل بالفعل هذا الشريان البحري الذي يعتمد عليه اقتصاد مصر. وهذا يثير تساؤلاً جوهريًا حول التزام مصر المعلن بأمن البحر الأحمر".

 

وقال إن نهج واشنطن تجاه مصر وإثيوبيا يُنذر بتعزيز هذه التناقضات الإقليمية. فالخطاب العلني الداعم لموقف مصر بشأن النيل، إلى جانب الجهود المبذولة لإعادة التواصل مع إريتريا، يُفسَّر حتمًا على أنه تأييد لنهج البلدين المتشدد". 

 

الاستقرار في القرن الأفريقي

 

وأضاف: "إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق الاستقرار في القرن الأفريقي، فعليها توخي الحذر من مكافأة السياسات التي تُعمِّق التوترات الإقليمية. إن أي استراتيجية تُؤيد حق النقض الفعلي لمصر على مشاريع تطوير النيل في أعالي النهر، مع تجاهل المصالح الاقتصادية المشروعة لإثيوبيا، تُنذر بتأجيج الصراع بدلاً من تشجيع التوافق".

 

وذكر التقرير بمواقف إثيوبيا التي أكدت مرارًا وتكرارًا أنها لا تسعى لحرمان مصر من مياه النيل. وفي الوقت ذاته، تعارض مصر التنمية الإثيوبية، بينما تعرقل وصول إثيوبيا السلمي إلى البحر الأحمر. إذا كانت مصر تتوقع من إثيوبيا ضمان أمنها المائي في المصب، فعليها أيضًا الاعتراف بمصلحة إثيوبيا المشروعة في التنمية الاقتصادية والوصول البحري الموثوق. إن المعاملة بالمثل، لا التطبيق الانتقائي للمبادئ الدولية، هي أساس السلام الإقليمي الدائم.

 

وشدد على أنه "لا ينبغي لواشنطن أن تسمح لمصالح مصر الجيوسياسية بتقييد المصالح الوطنية المشروعة لإثيوبيا. فإثيوبيا لا تطالب بمعاملة خاصة، بل تطالب بالاحترام نفسه لسيادتها ومصالحها الوطنية الذي تطالب به مصر".

 

وقال: "إذا قبلت واشنطن مبدأ الدول الساحلية فقط فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر مع استبعاد إسرائيل على الرغم من وضعها الساحلي، فلا ينبغي لها في الوقت نفسه أن تقبل محاولة مصر فرض قيود على استخدام إثيوبيا لنهر النيل".


https://www.jns.org/opinion/habtom-ghebrezghiabher/the-red-sea-security-debate